Argument

الربيع العربي لم ينته بعد

روح الربيع العربي لا تزال مستمرة كما أظهرت الاحتجاجات الكبيرة في الجزائر والسودان.

الجزائريين يحتجون على ترشح بوتفليقة في الجزائر اليوم الجمعة ١ مارس.
الجزائريين يحتجون على ترشح بوتفليقة في الجزائر اليوم الجمعة ١ مارس. (Ryad Kramdi/AFP/Getty Images)

ععندما دعوت مع شريكي وائل غنيم عبر صفحة «كلنا خالد سعيد» على موقع فيسبوك لتظاهرات ٢٥ يناير ٢٠١١، كان حلمنا وحلم ملايين المصريين الذين شاركوا في ثورة أطاحت بنظام مبارك هو بناء جمهورية جديدة قائمة على الديمقراطية والعدالة والحرية. ولفترة قصيرة، بدا أننا سنحقق ما نتمناه، لكن تحولت مكاسبنا بالتدريج إلى خسائر، ولا سيما بعد صيف عام ٢٠١٣، عندما جلبت الثورة المضادة بكل قوتها عبد الفتاح السيسي إلى السلطة. أثارت تلك الخطوة اطمئنان القادة المستبدين الآخرين في المنطقة، فقد ظنّوا أن ال المضادة التي تقودها السلطات الأمنية والعسكرية والنظام القديم ستضمن لهم سيطرة نهائية على الحراك الشعبي مرة واحدة وإلى الأبد.

[Read this article in English]

إلا أن ظهور موجات جديدة من الاحتجاجات كل بضعة أشهر، يثبت أن هذا الحراك الشعبي الذي بدأ قبل ثماني سنوات لا يزال ملتهبا، ولن ينتهي قريبًا.

ففي الجزائر الذي يبلغ تعداد سكانه ٤٢ مليونا، ٥٠٪ تقريبا منهم دون سن الثلاثين، تقدم رئيس مسن يحكم منذ ٢٠ عامًا لفترة رئاسة جديدة. عبد العزيز بوتفليقة الذي يبلغ من العمر٨٢ عاما تلزمه حالة صحية بالغة الحرج منذ أصيب بجلطة دماغية في ٢٠١٣ لم يستطع بعدها إلقاء خطاب عام لمواطنيه. ورغم ذلك اختاره حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم مرشحا للرئاسة في الانتخابات المقرر عقدها في أبريل هذا العام.

جاءت تلك الخطوة الفنتازية بترشيح بوتفليقة الطاعن في السن بمثابة صدمة لملايين الجزائريين وأثارت احتجاجات في العاصمة وغيرها من المدن في جميع أنحاء البلاد. ومثلما حدث في مصر في ٢٠١١، انطلقت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر، ولبّى الدعوة عشرات الآلاف من الجزائريين الذين نزلوا إلى الشوارع محتجين على ترشح بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، وعلى الفساد المستشري في البلاد. وزادت حدة الاحتجاجات بانتظام، حتى وصلت يوم ١ مارس الماضي إلى ما وُصِفت بأنها «أكبر مظاهرات تشهدها البلاد منذ الربيع العربي قبل ٨ سنوات».

كان رد الرئيس الجزائري سريعًا. ظهر مدير حملته الانتخابية عبد الغني زعلان يوم الأحد على محطة تلفزيونية، ليقول أن بوتفليقة لا يزال ينوى الترشح للانتخابات في إبريل، لكنه سيبقى في الحكم سنة واحدة إذا فاز بالانتخابات، ويتعهد بإجراء انتخابات مبكرة لا يرشح فيها نفسه الحصول على فترة سادسة خلال ١٢ شهرًا. لم يهدئ هذا البيان من غضب المحتجين، فخرج الآلاف للتظاهر بعد صدور البيان بقليل.

للجزائر تاريخ صعب مع الديمقراطية. في التسعينيات، ألغى الجيش انتخابات برلمانية فاز فيها الإسلاميون، مما دفع البلاد إلى صراع عنيف، راح ضحيته أكثر من مئة ألف مواطن. لكن خطاب السلطة الذي يستغل ذكرى الخراب والدمار الذي خلفته الحرب الأهلية لتخويف وترهيب الشعب لم يمنعهم من النزول للتظاهر. التزم المتظاهرون بالسلمية، مستلهمين روح الاحتجاجات السلمية المشابهة الأخرى، مثل الموجة الأولى من الربيع العربي.

رغم أن المتظاهرين الجزائريين واجهوا بعض العنف من قبل السلطات، إلا أنه لا يضاهي تمامًا مقدار العنف الذي قوبلت به تظاهرات المواطنين في السودان. على مدار الشهرين الماضيين، خرج عشرات الآلاف من المواطنين مطالبين بخلع الرئيس عمر البشير. استخدمت الشرطة الرصاص الحي والمطاطي في مواجهة المتظاهرين السلميين، مما أسفر عن قتل العشرات وإصابة المئات.

بدأت التظاهرات في السودان في ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ بسبب زيادة أسعار الوقود وارتفاع معدلات التضخم، وسرعان ما تطورت إلى احتجاجات ضد حكم البشير نفسه، الذي يحكم السودان منذ انقلاب ١٩٨٩، والذي عُرف بتزعمه مواجهة مسلحة في دارفور أودت بحياة حوالي ٣٠٠ ألف سوداني، مما دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار أمر اعتقال بحق البشير عام ٢٠٠٩ بتهمة ارتكاب «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».

وأخيرا، ألقى البشير خطابًا للمحتجين في أواخر شهر فبراير، معلنا فيها حالة الطوارئ في شتى أنحاء البلاد، وحل الحكومة، وتغيير محافظين الولايات السودانية الثمانية عشر ليحل محلهم شخصيات عسكرية وأمنية، كما قام بتأجيل مشروع تعديل الدستور الذي كان سيسمح له بالترشح مرة أخرى للرئاسة في ٢٠٢٠، و تخلى عن منصب رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم حتى عقد المؤتمر العام القادم للحزب مفوضًا سلطاته واختصاصه لنائبه أحمد محمد هارون.

رغم أن خطاب البشير يعتبر نصرًا جزئيًا، نزل المزيد من الناس إلى الشوارع في جميع أنحاء السودان بعد الخطاب، ووُصِفت دعوة البشير إلى حوار يجمع القوى السياسية المعارضة بأنها محاولة لتهدئة المطالب الشعبية التي ينادي بتنحيه عن الحكم.

وسط حالة القمع تلك التي تشهدها السودان، لا يزال القمع الذي تمارسه الدولة مستمرًا في مصر. فمستوى القمع تحت حكم السيسي وصل حدًا غير مسبوقًا في تاريخ مصر الحديث، وقد قضى ذلك القمع المستمر على كل أشكال المعارضة وانتهى بالعديد من زعمائها في السجون. ووفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش، هناك ما يقدر بنحو ٦٠ ألف سجين سياسي دخلوا السجون المصرية منذ يوليو ٢٠١٣، ألقي القبض على آلاف منهم بشكل تعسفي وحُرموا من أي حقوق قانونية.

وأحدث تجسيد لحملة القمع تلك هو اعتقال أربعة أعضاء بارزين من حزب الدستور، الذي أسسه محمد البرادعي، الحائز على جائزة نوبل للسلام، والذي يقبع في منفى اختياري منذ مذبحة رابعة في أغسطس ٢٠١٣، عندما قامت قوات الأمن المصري والجيش بفض عنيف لاعتصام المتظاهرين المؤيدين للرئيس السابق محمد مرسي، مما أسفر عن مقتل ٨٠٠ منهم على الأقل.

جاء اعتقال الأعضاء الأربعة بعد حملة واسعة نظمتها الأحزاب المعارضة على وسائل التواصل الاجتماعي لجمع توقيعات المواطنين الرافضين لتعديلات طرحها البرلمان المصري مؤخرا على الدستور، والتي تتيح للسيسي أن يواصل حكم البلاد حتى ٢٠٣٤.

بلغت التوقيعات ثلاثين ألف توقيع في أسبوع واحد، وهو رقم كبير في ظل حالة التخويف المريعة التي ينتهجها النظام تجاه أي نشاط سياسي. ومن المتوقع أي يعقد استفتاء شعبي على التعديلات هذا العام.

رغم الانتهاكات الواضحة وواسعة المدى لحقوق الإنسان، لم يلمح أي من القادة الأوربيون الذين حضروا «قمة الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية» في فبراير أي تناقض بين القمع الواسع الذي يمارسه مضيفهم وبين ما تدعو الدول الأوروبية الالتزام به من قيم الحرية والديموقراطية.

وفي وقت كانت السلطات المصرية مشغولة باعتقال الناشطين على خلفية إعلان رفضهم التعديلات الدستورية، صفق قادة أوروبا للرئيس السيسي وهو يذكرهم بالمشكلة الوحيدة التي تؤرقهم: الإرهاب. لم ينتقده أيُُ من رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، أو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أو رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي حول كون حكومة السيسي تحتجز النشطاء؛ حتى عندما قال لحضور القمة إن المعارضة السياسية السلمية «ظاهرة صحية ومقوم أساسي لأي حياة سياسية سليمة».

لم يذكره أحد من ضيوفه الأوربيين بأنه اعتقل العام الماضي أي مرشح ذي فرصة فكر في الترشح لمنافسته على منصب الرئاسة، وبسبب ذلك لا يزال المرشح السابق الفريق سامي عنان والرئيس السابق لجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة في السجن.

وبينما كان السيسي يدّعي تقبله للمعارضة السلمية، ويصر أن مصر لها «ثقافة خاصة»، ليلمّح أن هناك مبررا لانتهاك نظامه لحقوق الإنسان، كانت مشاركة قادة الاتحاد الأوروبي في القمة ببساطة بمثابة غطاء سياسي للسيسي، الذي يسعى إلى إثبات أنه حتى في الوقت الذي يتعرض فيه نظامه للانتقاد الشديد بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، فإنه ما زال يتمتع بدعم الحلفاء الدوليين البارزين.

بدلا عن ذلك، على القادة الغربيين إدراك أن لديهم فرصة لتغيير موقفهم والتوقف عن غض الطرف عن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في العالم العربي. وتمثل موجة الاحتجاجات في السودان والجزائر فرصة للزعماء الغربيين لإعلان دعمهم للحراك الشعبي في البلدين، ذلك الحراك الذي ينتقص من شرعية الحكام المستبدين الطاعنين في السن.

إن عدم اتخاذ موقف حازم تجاه الحكام الدكتاتوريين في المنطقة يضر بشدة بهذه الاحتجاجات الشعبية السلمية، ويشكك في مصداقية التمسك الغربي بالقيم الديمقراطية والأخلاقيات الأساسية، ويقوض استقرار المنطقة. إن الدعم الغربي للأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط قصير النظر ويمثل فشلاً في التعلم من أخطاء الماضي. على الرغم من أن بعض تلك الأنظمة العربية الاستبدادية قد تبدو مستقرة، إلا أنها ذات أسس هشة، مما يجعلها عرضة للانهيار المفاجئ، ويفتح الطريق أمام انتشار الفوضى في المنطقة.

كما ينبغي على القادة الأوروبيين التأكيد على أهمية العدالة وحقوق الإنسان كشرط لاستمرار العلاقات العسكرية والاقتصادية القوية. وقد ثبت أن مبيعات السلاح للأنظمة الاستبدادية لا تساهم إلا في مزيد من تأزيم الوضع السياسي والاقتصادي في المنطقة لتمكينها من المزيد من الانتهاك لحقوق الإنسان، مثل الذي جرى في مصر من استخدام للأسلحة الفرنسية في مواجهة الاحتجاجات السلمية، واستخدام القوات السعودية والإماراتية للأسلحة الأمريكية لتدمير اليمن.

ربما يكون الربيع العربي قد خفت في مصر واليمن وليبيا بفعل خليط من القمع والعنف، فضلا عن التدخل الإقليمي والدولي غير المسبوق. إلا أن الشعوب العربية لا تزال قادرة على إيجاد طرق سلمية للتعبير عن غضبها. ولن تجدي محاولات التخويف التي تمارسها السلطات لمنعهم من المطالبة بحقوقهم.

على الرغم من دعم الغرب المستمر للحكام الديكتاتوريين في المنطقة، وعنف قوى الثورة المضادة، استمر الناس في الاحتجاج وفي تحدي حكامهم المستبدين من خلال النشاط الرقمي والمبادرات الأخرى التي تتجنب المواجهة المباشرة مع السلطات. وكلما وجد الناس فرصة للنزول إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم فهم يستغلونها، كما هو الحال في الجزائر والسودان.

يواصل العرب البناء على الموجة الأولى من الانتفاضات العربية في ٢٠١١. ويبقى الحراك الشعبي السلمي هو الخيار الوحيد المتاح لمواصلة النضال من أجل الديمقراطية في المنطقة. سوف تستمر الثورة المضادة في العالم العربي في فقدان قوتها وستنهار في نهاية المطاف تحت وطأة هذه الحركات.

على الغرب أن يتعلم من أخطاء الماضي القريب، وأن يتخلى عن السياسات قصيرة النظر في دعمه للحكام المستبدين، بتبنى استراتيجية طويلة الأمد، لتجنب الخسارة التي لا مفر منها إذا وقف على الجانب الخطأ من التاريخ، معترضًا طريق قادة الغد.

Abdelrahman Mansour is a writer and human rights activist. His writing has appeared in Oxford Handbooks, Mada, and Jadaliyya. Twitter: @ARahman_Mansour

A decade of Global Thinkers

A decade of Global Thinkers

The past year's 100 most influential thinkers and doers Read Now

Trending Now Sponsored Links by Taboola

By Taboola

More from Foreign Policy

By Taboola